الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

398

المنقذ من التقليد

قلنا : لفظ العادة مشتقّ من العود ، فإنّما يطلق على ما يفعله الفاعل ويستمرّ عليه بالعود إلى مثله . كما يقال : عادة زيد الخروج من داره بكرة إذا استمرّ ذلك منه ، ولا يقال : عادته ذلك ، لو اتفق ذلك منه مرّة أو مرّتين . هذا هو حقيقة العادة . ولا حاجة إلى أن يقال هو إحداث أمر عند أمر آخر بحيث لا يحدث من دون ذلك الأمر مع صحّة حدوث ذلك الأمر من غير حدوثه على ما اعتبره أبو رشيد في حدوده . ومثله نزول المطر عند تراكم السحاب ، فانّه إنّما ينزل المطر عند ظهور السحاب ، وقد يتراكم السحاب ولا ينزل المطر . وإنّما قلت لا حاجة إلى اعتبار ما اعتبره من حيث انّه كما يقال في ما هذا سبيله انّه عادة وإن اللّه تعالى أجرى العادة به ، كذلك يقال فيما لا يكون كذلك الا ترى أنّ المسلمين يقولون : إنّ طلوع الشمس من المشرق وغروبها في المغرب بالعادة وإنّ اللّه تعالى أجرى العادة بذلك . وكذا يقال : عادته تعالى الإكرام والإنعام والإحسان إلى الخلق وليس شيء من ذلك حدوث شيء عند شيء . وفي الشاهد : كما يقول : عادة زيد أن يضيف عمروا كلّما دخل داره ، كذا يقال : عادته الجلوس في المسجد والصلاة فيه ، وليس هذا شيئا يفعله عند شيء آخر . وكما يطلق لفظ العادة فيما ذكرناه فكذلك إذا استمرّ وقوع فعل على وجه مخصوص من الفاعل وأن لا يفعله على وجه آخر ، يقال في نفي فعله على الوجه الآخر : إنّه عادته ، كما يقال : عادة فلان جارية بأن لا يصلّي الفرض في البيت ، وكما يقال : عادته تعالى جارية بأن لا ينزل المطر من دون ظهور السحاب وأن لا يخلق الانسان من غير ذكر وأنثى فيطلق لفظ العادة على هذا النفي ، لمشاركته لذلك الإثبات في الاستمرار . وإنما اعتبرنا استمرار وقوع الفعل على وجه مخصوص من الفاعل في تسمية نفي وقوعه على وجه آخر عادة ، من حيث انّه لو لم يفعل ذلك الفعل على وجه من الوجوه أصلا والبتة لم يسمّ ذلك النفي عادة . ألا ترى أنّه لا يقال في نفي خلقه تعالى